ابن الجوزي

170

صفة الصفوة

فاستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق « 1 » الممهّدة ، الصخور والأحجار في القبور التي قد بني على الخراب فناؤها ، وشيد بالتراب بناؤها ، فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنوّ الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى وأظلّتهم الجنادل « 2 » والثرى ، فأصبحوا الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات ، كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ سورة المؤمنون آية 100 ] وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى ، والوحدة في دار المثوى ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور ، وبعثرت القبور ، وحصّل ما في الصدور ، ووقفتم للتحصيل ، بين يدي الملك الجليل فطارت القلوب ، لإشفاقها من سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنالك تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ سورة غافر من الآية 17 ] إن اللّه عزّ وجل يقول : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ سورة النجم آية 31 ] وقال : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [ سورة الكهف آية 49 ] جعلنا اللّه وإياكم عاملين بكتابه ، متّبعين لأوليائه ، حتى يحلّنا وإياكم دار المقامة من فضله ، إنه حميد مجيد » . عن الحسن ، عن علي عليه السلام ، قال : طوبى لكل عبد نومة عرف الناس ولم يعرفه الناس ، عرفه اللّه برضوان ، أولئك مصابيح الهدى ، يكشف اللّه عنهم كل فتنة مظلمة ، سيد خلهم اللّه في رحمة منه ، ليسوا بالمذاييع البذر ولا الجفاة المرائين . وعن عاصم بن ضمرة ، عن علي عليه السلام : « ألا إن الفقيه الذي لا يقنط

--> ( 1 ) النمارق : الوسائد . ( 2 ) الجنادل : الصخور .